ما إن تقترب أيام محرّم حتى يتبدّل شيء في الوجدان قبل أن يتبدّل في المكان. فالأمر لا يقتصر على رايات تُرفع، أو مجالس تُهيّأ، أو كلمات تُستعاد من ذاكرة التاريخ، بل هو شعور عميق بأننا نقف على أعتاب موسم استثنائي من مواسم الوعي الإنساني والروحي، موسم لا يُقاس بما يحمله من مظاهر، بل بما يتركه من أثر في النفوس والعقول.
وعلى عتبة محرّم، يقف المؤمن متأمّلاً لا متفرّجاً، مستحضراً أن هذا الشهر لم يكن مجرّد إطار زمني لحدث عظيم وقع في الماضي، بل أصبح رمزاً خالداً لقيم الحق والكرامة والوفاء والمسؤولية. ولذلك فإن استقبال محرّم لا ينبغي أن يكون استقبالاً للذكرى فحسب، بل استقبالاً للرسالة التي حملتها تلك الذكرى عبر القرون.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان وهو يقترب من هذا الموسم أن يراجع نفسه قبل أن يراجع معلوماته، وأن ينظر في مواقفه قبل أن ينظر في محفوظاته. فالقضية الحسينية لم تُرد من الناس أن يكونوا رواة للأحداث فقط، وإنما أرادت أن يكونوا شهوداً على القيم التي قامت من أجلها تلك النهضة المباركة. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق دخول محرّم ليس: ماذا سأسمع هذا العام؟ بل: ماذا سأغيّر في نفسي بعد أن أسمع؟
وعلى عتبة محرّم، تتجلّى حاجة الإنسان إلى الصدق مع ذاته. فكم من القيم التي نُعجب بها في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، لكننا لا نمنحها مساحة كافية في حياتنا اليومية. وكم من المواقف التي نبكي لأجلها في المجالس، ثم نعجز عن ترجمة دروسها إلى سلوك عملي في الأسرة أو العمل أو المجتمع. إن الوفاء الحقيقي للنهضة الحسينية يبدأ حين تتحول المشاعر إلى وعي، ويتحول الوعي إلى عمل.
ولعل من أعظم ما يميّز محرّم أنه لا يكتفي بإثارة العاطفة، بل يدعو إلى إيقاظ الضمير. ففي كل عام يعود هذا الشهر ليطرح على الإنسان أسئلته الكبرى: أين تقف حين يختلط الحق بالباطل؟ وكيف تتصرف عندما تتعارض المبادئ مع المصالح؟ وما مقدار استعدادك للدفاع عن قناعاتك حين يصبح الثمن مرتفعاً؟ إنها أسئلة لا تخصّ زمناً بعينه، بل ترافق الإنسان في كل عصر ومكان.
ومن هنا فإن استقبال محرّم ينبغي أن يكون استقبال الباحث عن الهداية لا الباحث عن العادة. فالتكرار لا يضمن التأثير، وكثرة الحضور لا تعني بالضرورة عمق الفهم. وربما يحتاج الإنسان أحيانا إلى أن يستمع بقلب جديد، وأن يقرأ السيرة بعين جديدة، وأن يقترب من كربلاء بروح متجددة، كأنه يكتشف معانيها للمرة الأولى.
كما أن الوقوف على عتبة محرّم يمنح فرصة ثمينة لإعادة ترتيب الأولويات. ففي عالم تتزاحم فيه الانشغالات وتتسارع فيه الأحداث، يأتي هذا الشهر ليذكّر الإنسان بما هو أبقى من المصالح الآنية والمكاسب المؤقتة. إنه يدعوه إلى التأمل في معنى الرسالة، وفي قيمة الموقف، وفي مسؤولية الكلمة، وفي أثر الاختيار. فالحياة في جوهرها ليست سلسلة من الأيام العابرة، وإنما هي مجموعة من المواقف التي تصنع هوية الإنسان ومصيره.
وإذا كانت الرايات السود تعلن دخول موسم الحزن، فإنها في الوقت نفسه ترفع شعار اليقظة. فهي لا تدعو إلى الانكفاء على الماضي، بل إلى استحضاره بوصفه مصدر إلهام للحاضر وبوصلة للمستقبل. ولذلك ظلّت كربلاء حيّة في ضمير الأمة؛ لأنها لم تكن حادثة تاريخية فحسب، بل كانت مدرسة متجددة تمنح كل جيل القدرة على إعادة اكتشاف معنى الكرامة والحرية والإيمان.
وعلى عتبة محرّم، لا بد من الالتفات إلى أن أعظم ما يمكن أن نقدّمه لهذا الشهر هو أن ندخله بقلوب متصالحة ونفوس نقية. فإصلاح علاقة متصدعة، أو ردّ مظلمة، أو مسامحة صادقة، أو توبة خالصة، قد يكون أبلغ أثراً من كثير من المظاهر التي يراها الناس ولا تغيّر شيئاً في الداخل. إن الرسالة التي خرج من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) كانت مشروع إصلاح، وكل خطوة في طريق الإصلاح هي اقتراب من جوهر تلك الرسالة.
ها نحن نقف مرة أخرى على أعتاب محرّم، والشهر الكريم يطرق أبواب القلوب قبل أبواب البيوت. فطوبى لمن أحسن استقباله بالمعرفة والصدق والإخلاص، وجعل منه فرصة لمراجعة الذات وتجديد العهد مع القيم التي ضحّى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه. فليكن دخولنا إلى هذا الموسم دخول المتعلم لا المعتاد، ودخول الباحث عن التغيير لا الباحث عن التكرار، لعلنا نخرج منه أكثر وعياً، وأصفى قلباً، وأقرب إلى المبادئ التي خُلّدت بدماء الطف الطاهرة.








اضافةتعليق
التعليقات