• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

في ضيافة أنيس النفوس

هدى المفرجي / الأربعاء 07 آيار 2025 / اسلاميات / 1242
شارك الموضوع :

من زار الرضا (عليه السلام) عارفاً بحقه، فقد وجد كنزَ الدنيا والآخرة، فهو حبيبُ القلوب وسيدُ العارفين

كان الظلام ينسحبُ من سماء كربلاء كستارةٍ، والليلُ ينحني خجلاً أمام قدوم الفجر، لكن هذا الفجر لم يكن فجراً عادياً، بل كان بزوغَ نورٍ من عالم الغيب، نورٍ يُنادي الروح قبل الجسد. خطوتُ باتجاه المشرق، وكأنما الأرضُ تقلّني على أجنحة الشوق، وقلبي يُنازع بين الخوف واللهفة، بين هيبة المنتظر ولهفة الواصل. لم أكن أعلم أن تلك الخطوات ستقودني إلى حرم تُسبّح جدرانه، وتتنزّل فيه الرحمة كالمطر على الأرواح العطشى.

توقفتُ عند أبواب المدينة المقدسة، فاستقبلني عطرٌ لم تُدركه أنفاسُ البشر، كأنه نسمةٌ من فردوسٍ خفي، يملأُ الروحَ ويغسل الذنوب قبل الأجساد. شممتهُ، فذابت همومي، وتذكّرتُ كل دمعةٍ سقطت في محرابي، وكل دعوة خرجت من أعماق قلبٍ منكسر. هنا، عند باب الإمام الرضا (عليه السلام)، تُحَطُّ الأثقال، وتُرفَع الأكفُّ بخشوع، وكأنما الحرمُ ينطق: "أهلاً وسهلاً بزائرٍ يحبنا ونحبّه".

دخلتُ الحرمَ المطهر، فإذا النورُ يغمر كلَّ شيء، نورٌ ليس من شمسٍ ولا قمر، بل هو نورٌ من نور الله، نورُ وليٍّ أذِن له ربُّه أن يكون ملاذ العباد. نظرتُ إلى القبةِ الشريفة، وسقطت دموعي حروفاً من حكاياتٍ طويلةٍ من الشوق، وكأنما الإمام (عليه السلام) يمسحُ على جبيني ويقول: "كفاك حُزناً، لقد وصلت!". ثم جلستُ في زاويةٍ من زوايا الحرم، أسمع همسات الزائرين، كلهم يبكون ويشتكون، وكلهم يعلمون أنهم عند مَن لا يردُّ أحداً، يناجون: "يا غياثَ المستغيثين"، "يا بابَ الله المفتوح"، وصلواتٌ تتعالى، وأدعيةٌ تُرفع، وكأن الأجواء كلها ترتجف بين يدي الحبيب. الزمنُ هنا يتوقف، والدنيا تذوبُ كسراب، فلا وجودَ إلا لهذا المقام، ولا صوتَ إلا صوتُ القلبِ المنكسر بين يدي الإمام.

لم أدرِ متى غلبتني عيناي، ولكني صحوتُ على أذان الفجر، وأنا في فراشي، كأنما الرحلة كلها كانت حلماً، لكن العطرَ الإلهي ما زال يُحيط بي، ودفء تلك اللحظات ما زال يغمر روحي. فأدركتُ أنها لم تكن رؤيا، بل كانت زيارةً من نور، أو هي إجابةٌ لدعوةٍ قديمةٍ من القلب: "يا رب، أرِني وجهَ حبيبك".

واليوم، وأنا أكتبُ هذه الكلمات، أعلمُ أن قلبي لم يَعُد ملكي، فلقد تركتُه هناك، عند الضريح المقدس، بين يدي قول الإمام الكاظم (عليه السلام): "مَن زاره أو بات عنده ليلة، كان كمن زار الله في عرشه". فزيارةُ الإمام الرضا (عليه السلام) ليست مجرد سفرٍ للأجساد، بل هي رحلةُ الأرواح إلى بيتها، لقاءٌ مع حبٍّ لا ينتهي، ونورٍ لا يغيب.

فيا من تبحث عن الأمان في زمنِ الخوف، ويا من تئنّ من وحشة الدنيا، ائتِ حرمَ الرضا (عليه السلام)، فما من خائفٍ أتاه إلا وآمنه، ولا مكسورٍ إلا جَبَره، ولا تائبٍ إلا احتضنه. هو بابُ الله الذي لا يُغلق، وهو غياثُ مَن لا غياث له، في زمنٍ تطغى فيه الماديات وتغيب فيه القيم. لتبقى سيرةُ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) شمعةً تضيء دروبَ المحبة والحكمة، وتُذكّرنا بأن العظمة الحقيقية ليست في السلطة أو الجاه، بل في الإيمان العميق، والعطاء اللامحدود، والصبر الذي يبلغ عنان السماء.

فكيف لا يكون سفيرَ المحبة، وهو الذي فتح قلبه للخلق جميعاً، يعلمهم، يرشدهم، ويخفف آلامهم؟ فلقد جسّد اسمَه حقيقةً عظيمة: أن الرضا ليس مجرد قبولٍ بالأمر الواقع، بل هو حالةٌ من اليقين بأن كلَّ شيء بقدر، وأن العبودية لله هي أعلى مراتب الحرية.

فقد كان الإمام الرضا (عليه السلام) كالغيثِ الذي ينزل على أرضٍ قاحلة، يروي العقولَ بالعلم، والقلوبَ بالإيمان، ويهدي النفوسَ الحائرة، رغم أن حياته كانت سلسلةً من التحديات والمحن، من الظلم السياسي الذي تعرّض له، إلى محاولات تهميشه وإبعاده عن دوره القيادي، وصولاً إلى اغتياله المأساوي بالسم. لكنه، في كل هذه المحن، كان المثالَ الأعلى للصابر الشاكر، الذي لا يجزع، ولا ييأس، بل يتحول ألمه إلى نورٍ يهدي الأجيال.

فإنْ سألتَني: كيف عدتَ منه؟

سأقول: عدتُ بقلبٍ جديد، وروحٍ تُنادي:

"لقد رأيتُ النور، فلا أعودُ إلى الظلام".

فمن زار الرضا (عليه السلام) عارفاً بحقه، فقد وجد كنزَ الدنيا والآخرة، فهو حبيبُ القلوب وسيدُ العارفين. فمن يبحث عن الأمان في زمن القلق، وعن النور في ظلمات الحياة، فها هي مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) تُعلّم القلوبَ كيف تُحب، وتُربّي الأرواحَ على التقوى والعرفان. فالإمام الذي تُسبّح الأرضُ له، لم يكن إماماً عادياً، بل كان مظهراً لأسماء الله الحسنى. فمن نظر إليه بتعظيمٍ رأى في سَمْته هيبةَ الأنبياء، وفي عينيه رحمةَ الأولياء، وكان إذا ذُكر اللهُ ارتعدت فرائصُه، وإذا توضّأ اصفرّ لونُه من خشية الله. لذلك كان هو بابَ الله الذي لا يُغلق، فسمّي "غياثَ المستغيثين"، لأن كل ملهوفٍ ناداه وجده أمامه، وكل مكروبٍ استجار به أزال اللهُ كربه.

وقد قال الإمام الجواد (عليه السلام) عن أبيه الرضا: "ما زار أبي أحدٌ فأصابه أذًى من مطر أو برد أو حرّ، إلا حرّم الله جسده على النار".

فسلامٌ على أنيس النفوس ومنقذها من ضلالة الفكر وضياع النفس، سلامٌ على سلطان الأولياء وقرةِ عين المؤمنين، سلامٌ على من قيل فيه:

هذي فضائلُه كالشمسِ طالعةً

لم يعشُ عن ضوئِها إلا الذي تاها

فإنّه من كرامٍ طاهرين، لقد

صفّى ذواتَهمُ الباري وزكّاها

وإنهم فُلكُ نوحٍ فاز راكبُها

وخابَ تاركُها، والنارُ يصلاها.

الشيعة
اهل البيت
الايمان
الحب
الامام الرضا
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/
    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    السبت 04 تموز 2026/
    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    الأثنين 15 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهي أسباب سقوط قوم عاد؟

    النشر : الخميس 06 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    المرأة وجدلية خوضها المضمار السياسي

    النشر : الأربعاء 23 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    السيدة الزهراء.. انموذج رائع للحياة كريمة خالية من المشاكل

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    تربية الأطفال..بين القول والفعل

    النشر : الأربعاء 13 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    مسجد السيدة الزهراء.. بين الموالاة والبراءة

    النشر : السبت 23 تشرين الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    قصة عشق.. ليت الذي كان لم يكن

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 18 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 18 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 18 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة