• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

انفصال الدال والمدلول

زهراء الجابري / الأثنين 03 آذار 2025 / تطوير / 1923
شارك الموضوع :

الهجوم على اللغة كأداة للتواصل بين البشر هو هجوم على المشروع الإنساني بأسره

من المعروف أن المشروع الإنساني بأسره يستند إلى اللغة كوسيلة للتواصل بين البشر وللاحتفاظ بثمرة تفاعلهم مع الطبيعة حتى لا تبدأ كل تجربة مع الطبيعة وعالم الأشياء من نقطة الصفر وهذا هو التاريخ والوعي التاريخي والتواصل اللغوي يعني أن ثمة إنسانية مشتركة، وأن ثمة ثقة في أنه يمكن توصيل المعنى، وأن ثمة علاقة بين الذات والموضوع والفكر والواقع والدال والمدلول.

وقد ظهر الاهتمام بفلسفة اللغة في الحضارة الغربية باعتبارها واحدة من أهم المباحث الفلسفية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وهذا يرجع إلى اهتزاز فكرة الكليات، فالتواصل بين البشر يفترض وجود مثل هذه الكليات وبغيابها تنشأ مشكلة علاقة اللغة بالواقع، والذات المدركة بالموضوع المدرك. وكما قال فوكو: "إن مشكلة اللغة تحاصر الإنسان في عالم الصيرورة الكاملة". وقد صرح بول دي مان الناقد التفكيكي: بأن الفكر الغربي الحديث هو فكر لغوي أكثر من كونه فكراً أنطولوجياً أو تفسيرياً. وقبلهما تنبأ إرنست كاسيرر بأن اللغة ستصبح سلاح الشك العدمي وسلاح العداء للفلسفة، بعد أن كانت سلاح الفلسفة. وبالفعل، أصبحت اللغة هي هاجس الإنسان الغربي. وأصبح هدف كل العدميين، بعد أن اكتسبت اللغة هذه المركزية، إثبات إخفاقها، حتى تُصاب الإبستمولوجيا نفسها بالشلل.

فالهجوم على اللغة كأداة للتواصل بين البشر هو هجوم على المشروع الإنساني بأسره، وعلى مفهوم الإنسانية المشتركة، وعلى مقدرة الإنسان أن يراكم المعرفة وأن يتعامل مع الآخرين من خلال منظومات معرفية وأخلاقية مشتركة. أي إنه تعبير عن العدمية الفلسفية الناجمة عن تبني موقف لاعقلاني مادي سائل.

وقد تمت مناقشة الإشكاليات الفلسفية الكبرى من خلال مناقشة إشكالية قد تبدو وكأنها إشكالية لغوية محضة، وهي إشكالية علاقة الدال والمدلول و (الدال) هو الجانب المحسوس (بالإنجليزية: sensible) من الكلمة، فهو الصورة الصوتية أو مساويها المرئي.

أما (المدلول) فهو الجانب المفهوم من المعنى (بالإنجليزية: intelligible). وكان بوسعنا أن نقول ببساطة: إن الدال هو الاسم والمدلول هو المسمى، وإن الدال هو الكلمة التي تشير إلى شيء والمدلول هو الشيء الذي يشار إليه. ولكن حيث أن كلمة (دال) لا تشير إلى الكلمات وحسب، وإنما تشير إلى النظم الإشارية كلها علامات المرور - الرموز ... إلخ - فإننا نؤثر استخدامها لأنها أكثر شمولاً.

وقضية علاقة الدال بالمدلول هي في واقع الأمر قضية علاقة العقل بالواقع والإنسان بالطبيعة المادة، والذات بالموضوع، وفي نهاية الأمر، علاقة الخالق بالمخلوق. فالبعض يرى أنها علاقة قوية ومركبة. فعلى الرغم من أنه لا توجد علاقة تطابق بين الواحد والآخر، وعلى الرغم من أنه توجد مسافة تفصل بين الدال والمدلول أي أن اللغة ليست شفافة تماماً، فالدال جزء من النظام الإشاري اللاشخصي وله قواعده ومنطقه، أما المدلول فهو جزء من نظام المعنى، وتسري عليه قواعد مختلفة، ويختلط فيه المنطق باللامنطق. على الرغم من كل هذا إلا أنه توجد وسائل وآليات لتحسين الأداء اللغوي للوصول إلى ما نسميه (الحقيقة) أو على الأقل قدر كاف منها وإلى توصيله للآخرين. وهذا يعني أن العقل قادر على إدراك الواقع، وعلى تجريد المعرفة منه، وعلى توصيلها للآخرين.

وعلى العكس من كل هذا، يذهب بعض الماديين الآليين إلى أن حسب العلاقة بين الدال والمدلول بسيطة ومباشرة. فالدال -تصورهم - شفاف (يعكس) المدلول بشكل مباشر حتى نصل إلى اللغة الحرفية أو الحيادية، حيث يتوحد الدال بالمدلول. هذا يعني في واقع الأمر أن عقل الإنسان سلبي، يعكس الواقع بشكل مباشر دون تحوير أو تعديل أو إبداع.

وتشكل إشكالية علاقة الدال بالمدلول المدخل الحقيقي لدراسة فكر عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير (١٨٥٧- ۱۹۱۳م) واضع أساس علم اللغة البنيوي ورائد الثورة البنيوية الذي ذهب إلى أن علاقة الدال بالمدلول لا تستند إلى أية صفات موضوعية كامنة في الدال، ومن ثم فالعلاقة بينهما ليست ضرورية أو جوهرية أو ثابتة، فهي علاقة اعتباطية أو عشوائية. فلا يوجد أي سبب منطقي أو موضوعي لأن تكون كلمة (قطة) العربية، أو كلمة كات (cat) الإنجليزية، هي الإشارة الوحيدة الضرورية والمنطقية إلى هذا الحيوان الصغير الذي يشبه النمر ويسير على أربع ويغطي جسده نوع من الفراء.

ويرى دي سوسير أن النظام اللغوي هو نسق إشاري مبني على علاقة الاختلاف بين الثنائيات المتعارضة، فالاختلاف بين (قطة) و (بطة) ليس هو الاختلاف بين الحيوان الذي يحمل ذلك الاسم والطائر الذي يحمل ذلك الاسم، وإنما هو اختلاف بين الأصوات والإشارات الدالة بين القاف والباء تقابلها اختلافات بين الأفكار والأشياء المدلولات، دون أن تكون هناك علاقة ضرورية تستند إلى قانون (طبيعي) كامن في طبيعة الأشياء أنطولوجي أورباني بين الاختلافات القائمة بين الثنائيات في عالم الدوال من جهة، والاختلافات القائمة بين المدلولات من جهة أخرى.

فاللغة نظام من العلاقات والاختلافات الثنائية المتعارضة، ليست لأجزائها هوية أو جوهر أو حتى وجود خارجها.

إذن، توجد داخل شبكة الاختلافات اللامتناهية ومعنى الإشارة ينبع من اختلافها مع إشارة أخرى، والنظام اللغوي ككل يعمل من خلال سلسلة الاختلافات والثنائيات المتعارضة. فالمعنى ليس كامناً في الإشارة ذاتها، ولا حتى يضاف إليها، وإنما هو أمر وظيفي يحدد داخل شبكة العلاقات داخل النص نفسه. أي إن المعنى يولد من داخل اللغة نفسها وليس من الواقع.

ويمكن القول هنا بأن مقولة اللغة حلت محل مقولة المادة، فقد أصبحت المبدأ الواحد (قوة كامنة في الكون) (الطبيعة والإنسان دافعة له، تتخلل أثناءه، وتضبط وجوده وتوحده، قوة لا تتجزأ ولا يعلو عليها أحد، وهي النظام الضروري والكلي للأشياء. وقد تبدت مقولة المادة في مرحلة المادية القديمة الصلبة في مقولات مثل -علاقات الإنتاج أو الحتمية التاريخية أو المنفعة المادية أو إيروس أي الطاقة الجنسية - وهي مقولات مستقلة عن إرادة الإنسان دافعة له.

ولكن هذه كلها مقولات موضوعية، ومع تآكل الموضوع والذات وتصاعد معدلات النسبية والسيولة كان لابد من البحث عن مقولة تقع في النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع والثبات بالحركة والتجاوز بالكمون... إلخ).

وقد وجدت الفلسفة الغربية ضالتها في اللغة، فهي نظام مستقل له قواعده المستقلة عن الإرادة الإنسانية فهي موضوعية، ولكنها تحتاج إلى الإنسان كي تتحقق فهي ذاتية. ولكنها رغم هذا تدور في الإطار المادي، فاللغة تسبق الوعي الإنساني والإرادة الإنسانية. وكما يقول البنيويون: "نحن لا نتحدث اللغة، وإنما تتحدث اللغة من خلالنا".

ولكن رغم إرهاصات السيولة والنسبية الكاملة في فكر سوسير يظل هناك مركز، وتظل هناك علاقة بين الدال والمدلول (رغم اعتباطية العلاقة بينهما ورغم انفصالهما)، وتظل هناك إمكانية توليد المعنى، ومن ثم التواصل بين البشر. أي أن سوسير لم يسقط تماماً في العدمية الفلسفية الكامنة في رؤيته والبنيوية هي تطبيق لنموذج دي سوسير اللغوي على مجالات النشاط الإنساني المختلفة. ولذا نجد أنه ودعاة البنيوية يرون أن للعالم معنى، بل ومركزاً، تماماً مثلما قال دعاة المادية القديمة إنه يمكن توليد النظام من فوضى الطبيعة، والمعنى من عبثيتها، والأخلاق من حيادها وعدم اكتراثها!.

كل هذا يقف على طرف النقيض مما فعله العدميون من الماديين الجدد حينما قالوا: بانفصال الدال عن المدلول، وهي عبارة اصطلاحية تستخدم في علم اللغة أساساً، ولكنها أصبحت مقدمة فلسفية لكثير من النتائج التي يتأسس عليها النظام المعرفي ما بعد الحداثي بكل ما يضمر من عدمية فلسفية.

والعبارة تعني أن الأسماء لا علاقة لها بمسمياتها، وأن الإشارات ليس لها علاقة بما تشير إليه، وإن وجدت مثل هذه العلاقة فهي علاقة واهية خلافية. كل هذا يعني أن العقل ليست له علاقة كبيرة بالواقع وأنه غير قادر على الإحاطة به، كما يعني أن النسق اللغوي ذاته يسقط في قبضة الصيرورة والعدم، ويدخل الإنسان الغربي في مرحلة المادية السائلة.

من كتاب (الحداثة ومابعد الحداثة) للباحث الدكتور عبد الوهاب المسيري
اللغة
الوعي
المجتمع
السلوك
الشخصية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    محاولة لفهم العقل الإجرامي

    محاولة لفهم العقل الإجرامي

    الأثنين 13 نيسان 2026/
    أحبّ الطّفل في داخلك

    أحبّ الطّفل في داخلك

    الثلاثاء 07 نيسان 2026/
    تجاوز الألم

    تجاوز الألم

    السبت 04 نيسان 2026/
    القوة الداخلية

    القوة الداخلية

    الأربعاء 25 آذار 2026/
    كيف تُصبح قارئًا؟

    كيف تُصبح قارئًا؟

    الخميس 19 آذار 2026/
    العوامل المؤثرة في النمو

    العوامل المؤثرة في النمو

    الأربعاء 25 شباط 2026/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهو الذكاء العاطفي وما أهميته في التربية؟

    النشر : الأحد 01 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    أمريكا تسيطر على ما نحلم به

    النشر : الخميس 26 تشرين الاول 2023
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    ما الذي يجب أن تتجنبه بعد مغادرة عيادة الأسنان؟

    النشر : الثلاثاء 24 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    كلمة حب

    النشر : الخميس 30 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    ماهي تفاعلات العنف في الحياة اليومية؟

    النشر : الأحد 21 شباط 2021
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    كيف تُشكّل طبقاً صحياً لكل وجبة؟

    النشر : الأربعاء 07 آب 2024
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 339 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 321 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 305 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 305 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 921 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 792 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 19 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 20 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 20 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 20 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة