• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الإنسانية أولاً.. والاختلاف لا ينقضها

جنان الهلالي / الأربعاء 11 حزيران 2025 / ثقافة / 1504
شارك الموضوع :

حين يبلغ الإنسان هذا المستوى من الوعي الإنساني، يدرك أن التعدد لا يعني التنافر

كلما نما وعي الإنسان، ازداد بحثه عن القواسم المشتركة والمفاهيم الكبرى التي تجمعه بأخيه الإنسان، ذلك الشبيه في الخلق والمصير، مبتعدًا عن كل ما من شأنه أن يزرع التفرقة أو يضع الحواجز بينهما. وتظل الإنسانية هي الرابط الأسمى والأعمق، القادر على احتضان البشر على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم. وليس في ذلك نفي للهويات الفرعية أو تهميشها، بل هو تجلٍّ لارتقاء فكري واجتماعي، يتطلع نحو أفق أوسع ووحدة أشمل.

ومن غير المنصف أن تُهمَّش مجموعة معينة بسبب شعيرتها أو ثقافتها في اللباس، ويُهمل جانب التعايش السلمي وثقافة الحوار المبني على "الإنسان أولاً وأخيراً"، تلك الثقافة التي تزدهر بعدالتها الشعوب. كما أن آيات الكتاب العزيز قد ربطت التدبر في خلق الله وفهم التكاليف الشرعية بالعقل، حيث تختتم معظم الآيات بالتعقل.

وحين يبلغ الإنسان هذا المستوى من الوعي الإنساني، يدرك أن التعدد لا يعني التنافر، وأن الاختلاف لا يُولِّد الخصومة ما لم يُستعمل كذريعة للإقصاء. بل على العكس، فإن في تنوع البشر جمالًا خلاقًا وفرصة ذهبية لبناء حضارة أكثر ثراءً وقدرة على التفاعل والتكامل. ولعلَّ أعظم المجتمعات هي تلك التي استطاعت أن تدمج بين هذا التنوع، دون أن تذيب خصوصية أحد، أو تفرض عليه أن يتحول إلى نسخة من غيره. فالتنوع في الألوان واللغات والمعتقدات ما هو إلا انعكاس لثراء التجربة الإنسانية منذ بداياتها وحتى اليوم.

وحين نتأمل في طبيعة الصراعات التي اجتاحت العالم على مرِّ التاريخ، نجد أن معظمها انطلق من مفاهيم ضيقة للهوية، سواء أكانت دينية أو قومية أو عرقية، حتى صارت الحدود الوهمية بين البشر أقوى من الروابط الحقيقية التي تجمعهم. وهنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى العودة إلى مفهوم الإنسانية، لا ككلمة عابرة أو شعار رنّان، بل كقيمة جوهرية تشكّل الأساس في تعاملنا مع الآخر، أياً كان لونه أو دينه أو موطنه.

فالإنسانية لا تلغي الانتماء، بل ترتقي به. فهي لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن ثقافته أو جذوره، وإنما تدعوه لأن يرى في تلك الجذور بوابة لفهم الآخرين، لا حاجزاً يعزله عنهم. هي وعي يُدرك أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وأن في التعاطف والرحمة والانفتاح أبوابًا مشرعة نحو السلام الحقيقي، لا السلام المؤقت القائم على التوازنات الهشّة والمصالح العابرة.

إننا في عصر تتسارع فيه الأحداث، وتتعمق فيه الفجوات، بين فقرٍ مدقع وغنى فاحش، بين شعوب تنهض وأخرى تنهار، وبين من يملك الصوت ومن لا يجد من يسمعه. وفي هذا العالم المتقلب، يبقى خيارنا الإنساني هو الأمل الوحيد في صياغة غدٍ أكثر عدلًا. خيارنا بأن نضع الإنسانية أولًا، أن نربّي أبناءنا على احترام الاختلاف، وأن نعلّمهم أن الإنسان كائن مكرَّم لا يُقاس بانتمائه بل بأفعاله.

وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تنهض، فعلينا أن نبدأ من هذه النقطة: أن نُعيد الإنسانية إلى الواجهة، إلى مناهج التعليم، إلى الإعلام، إلى الخطاب الثقافي والديني. علينا أن نعلّم أنفسنا أن الإنسان الآخر ليس عدوًّا ولا نقيضًا، بل مرآة نرى فيها قلقنا وأملنا وطموحنا. وأن نتحرر من عقدة التمييز والتفوق، تلك التي أسقطت حضارات وأقامت جدرانًا لا تزال إلى اليوم تحاصر قلوب الناس وعقولهم.

عطر الإنسانية الخفي

يُعد طيب الكلام وعدم البذاءة من أهم مقومات استمرار الحضارة وصناعة المجتمع السليم، ويُعد البذاء من أسباب فشل المجتمع أو الحضارة أياً كان مصدرها؛ لأن المجتمع إنما يستمر إذا كان هناك اتحاد وتقارب وانسجام، وأما إذا سادته التفرقة فسوف تؤدي إلى الزوال. قال الله تعالى:

"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ".

إن الكلام البذيء من أهم أسباب التفرقة والعداوة بين الناس، لذا يقول الله تعالى:

"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، فإذا تكلمتم مع الناس فتكلموا معهم بكلام حسن، لأن الكلام البذيء يؤدي إلى التفرقة والاختلاف حتى لو كان في صورة المزاح. وإذا حدثت العداوة، فسوف تحدث التفرقة.

نحن في هذه الأيام العجاف، نعيش حربًا نفسية باردة، تطلقها فوهات الخطاب المسمومة من هنا وهناك، من خلف منصات التواصل الاجتماعي أو بعض الفضائيات، فتصيب عقولًا عدة، وتطلق العنان لألسنتها بالألفاظ البذيئة أو التهم الباطلة، فتُسقِط عالِمًا أو فقيهًا دينيًّا، أو تُمجّد فاسدًا وفاحشًا، وربما ترفع من شأن تافه أحيانًا.

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

"ما أضمر أحدكم شيئًا إلا وأظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه." (بحار الأنوار، ج٦٥، ص٣١٦)

وبين هذا وذاك، يعيش هذا الجيل في تخبط، تارة يُمجّد هذا، وتارة أخرى يُمجّد أسلافًا ماضيين لا يُغنون من جوع، جيل لا يُكلّف نفسه بالبحث والتقصي، شغله الشاغل تصفّح برامج ترفيهية، يهرب من تشوش أفكاره وتخبطه وسط دوامة سبّ وقذف الكبار فيما بينهم، أحدهم يُمجّد التاريخ وآخر يُحرّفه.

أريد أن أصل بهذا المقال إلى التشوهات التي تؤدي إلى انحدار المجتمع، ثم الأمة، ألا وهي هدم أفكار الجيل ووعيه. من هنا نجد اليوم عشرات الجرائم والسلوكيات الغريبة التي لم نشهدها من قبل، وينأى لها الجبين.

وإذا كنا نتكلم عن الواقع العربي المسلم، فلابد لنا أن نُدرك الحقيقة: أن الإسلام يقدم للبشرية نموذجًا من النظام المتكامل، لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض من قبل الإسلام أو بعده، دينٌ يقوم على التسامح والمودة واحترام جميع الأديان والطوائف، ما لم تسبب ضررًا للأمة أو للفرد.

فإذا كانت هذه مبادئ ديني، فهل يحق لي أن أُكفِّر هذا أو أَطعن بشرف ذاك؟

وإذا كانت كل أفعالنا اليومية مبنية على الاقتداء بما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) وآل بيته الكرام، فمعنى ذلك أن تصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد في مناهج حياتنا اليومية، ويكون نفوذ الروح قد أصبح العامل الحقيقي الذي نتعود عليه طول الحياة.

وفي الختام، الإنسانية ليست ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية، وهي وحدها الكفيلة بصنع السلام الحقيقي بين البشر. وما يخدم أوطاننا الناهضة، التي تصبو جماهيرها إلى أن تتبوأ مكانًا مرموقًا مثل باقي شعوب العالم التي تعيش في سلام ووئام ورخاء وسعادة وبهجة، بكل ما تعنيه كل كلمة من هذه الكلمات حينما تتحول في أرض الواقع إلى حقيقة مرئية ومجسدة.

الامام علي
الوعي
المجتمع
الفكر
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بين امتلاء الروح وصمت القلم

    بين امتلاء الروح وصمت القلم

    الأربعاء 21 تشرين الاول 2026/
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الخميس 17 ايلول 2026/
    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    الأحد 02 آب 2026/
    كيف يتجدد وهج الروح من واقعة عاشوراء؟

    كيف يتجدد وهج الروح من واقعة عاشوراء؟

    الثلاثاء 07 تموز 2026/
    دور الإعلام المعادي في صناعة الانهيار

    دور الإعلام المعادي في صناعة الانهيار

    الأثنين 22 حزيران 2026/
    الوعي الذاتي.. الحد الفاصل بين الثقة والغرور

    الوعي الذاتي.. الحد الفاصل بين الثقة والغرور

    الثلاثاء 19 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    الوضع السياسي والاجتماعي للأمة في عصر الامام زين العابدين

    النشر : الأثنين 21 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    تحمل ضريبة القلة

    النشر : الأربعاء 22 آذار 2023
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    النشر : الخميس 02 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    نساء في متاهات الأربعين

    النشر : الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 22 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 7 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 7 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 7 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 7 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة