يروي الشيخ عبد الله اليوسف أنّه كان يهدي أستاذه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه) أحدث كتبه، وينتظر منه ملاحظةً أو نقدًا أو توجيهًا. وكان جواب أستاذه «أنا أستفيد مما تكتب شيخنا». بقيت هذه الكلمة في ذاكرة التلميذ، فقد سمعها ممّن كان يرجع إليه ليتعلّم منه. وفي ذكرى رحيل السيد الشيرازي، يصلح هذا الموقف مدخلًا لسؤالٍ يتجاوز حدود مجلس الدرس. كيف نبدأ بإصلاح أنفسنا، ونحن نعرف كثيرًا من الفضائل التي نودّ التحلّي بها، ثم نجد أنفسنا نعود إلى عاداتنا حين يحين وقت العمل بها؟
التواضع أن نبقى مستعدّين للتعلّم
يأخذ كلام السيد محمد رضا الشيرازي عن التواضع بُعدًا عمليًا حين نضعه إلى جانب ما رواه تلميذه. فقد جاء اليوسف بكتابه يطلب رأي أستاذه، فإذا بالأستاذ يعبّر عن استعداده للاستفادة منه. وفي جواب كهذا تقديرٌ لجهد التلميذ، وإقرارٌ بأنّ العلم يظلّ بابًا مفتوحًا للتعلّم مهما بلغ صاحبه. وقد يكون هذا الباب أقرب إلينا ممّا نتصوّر، إذ يُفتح في حوار مع زميل، أو في ملاحظة يبديها طالب، أو في سؤال يطرحه أحد أبنائنا فيدعونا إلى إعادة النظر في أمر حسبناه واضحًا.
ويبدأ التدرّب على هذا الخُلُق حين ننصت إلى الفكرة حتى تكتمل، وخاصّةً حين تكون المسألة ممّا نعدّه اختصاصنا. فإذا نبّهنا شخصٌ أقلّ منّا خبرةً إلى خللٍ في عملنا، كان في وسعنا أن نسأله عمّا لاحظه، ثم نراجع ما قاله ونشكره على تنبيهه. وقد نجد في رأيه ما فاتنا لأنّه نظر إلى المسألة من موضع آخر. بهذا يصبح التواضع طريقةً نعامل بها من حولنا، ويصبح قبول الملاحظة فرصةً لإصلاح ما كان سيبقى على حاله لو استعجلنا الردّ.
احترام الناس يبدأ باحترام وقتهم
يذكر في أحواله أنّ السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره) كان يبادر إلى زيارة من قدموا إلى قم، ويحضر في الموعد المحدّد. وتلتقي هذه العادة مع توجيهٍ وجّهه إلى الخطباء في شأن الوقت. فقد ضرب لهم مثالًا بخطيبٍ يتحدّث ساعةً أمام خمسمئة شخص. هذه الساعة محسوبةٌ من وقت كل مستمع، وعلى الخطيب أن يقدّر مقدار الوقت الذي ائتمنه الحاضرون عليه. وحين نقارن هذا التوجيه بالتزامه بموعد الزيارة، نرى كيف عمل بالمعنى نفسه في مجلسٍ صغير، كما دعا إليه في مجلسٍ عام. فالزائر الذي يُراعى موعده قد رتّب يومه على ذلك اللقاء، مثلما رتّب المستمع يومه ليحضر المجلس.
وقد يغيب عنّا هذا المعنى حين نتأخّر عن موعد، أو نستطرد في حديثٍ ينتظر فيه الآخرون دورهم. ومن وجوه الإصلاح هنا أن نعدّ وقتهم جزءًا من مسؤوليتنا. فإذا تعذّر علينا الحضور في الموعد، أخبرنا من ينتظرنا مبكّرًا. وإذا تولّينا إدارة لقاء، حضّرنا ما نريد قوله وأفسحنا للآخرين مجالًا للكلام. وفي هذه التفاصيل يعرف الناس مقدار مراعاتنا لظروفهم، سواء أكانوا ضيوفًا أم زملاء أم أفرادًا من أسرتنا.
الكلمة التي تساعد إنسانًا على أن يبدأ
يروي الرادود السيد محمد الموسوي الكربلائي أنّه التقى السيد الشيرازي في مشهد، في أيام إحياء ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). وبعد صلاة الجماعة دعاه السيد إلى إلقاء قصيدة على المنبر. وحين نزل استقبله وشجّعه على مواصلة خدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، وربط ما يرجوه له من مستقبل بالجدّ والاستمرار والاستعانة بالله. وفي ترتيب الموقف دلالة تربوية. فقد أتاح له فرصةً يؤدّي فيها ما يستطيع، ثم وجّه إليه كلمةً تتّصل بما فعله وتدلّه على ما يحتاج إليه ليواصل طريقه.
وقد يجد المرء في بيته أو عمله من ينتظر فرصةً كهذه. فحين نلحظ لدى شابّة قدرةً على الكتابة، يمكن أن نعهد إليها بإعداد نصّ قصير، ثم نبيّن لها موضعًا أحسنت فيه وآخر تستطيع تطويره. عندئذٍ تعرف ما الذي لفتنا في عملها، وما الذي يمكنها أن تتدرّب عليه. ومن وجوه إصلاح النفس أن نتنبّه إلى أثر كلمتنا فيمن يحاول للمرة الأولى، وأن نعطيه من وقتنا ما يعينه على المحاولة التالية. وينطبق ذلك أيضًا على من يتردّد في تحمّل مسؤولية جديدة. فقد تكفيه مهمة واضحة ينجزها في حدود قدرته، ثم حديث صادق عمّا تعلّمه من التجربة.
محاسبة النفس تظهر في تدارك الحقوق
ومن وصايا السيد الشيرازي تخصيص خمس دقائق كل يوم لمحاسبة النفس. وتذكر الرواية المنشورة عن وصاياه أنّ ورقةً وُجدت في ثوبه، وفيها طلب المعذرة ممّن أحاطوا به إن كان قد قصّر في شيء من حقوقهم. وعند قراءة الوصية إلى جانب هذه الورقة، يتّضح وجهٌ من وجوه المحاسبة. فالإنسان يسأل نفسه عمّا صدر منه، ويسأل أيضًا عمّا بقي في ذمّته، أو عمّا يستطيع إصلاحه في علاقته بمن يتعامل معهم.
وفي نهاية اليوم، قد نتذكّر كلمةً قلناها في غضب، أو وعدًا مضى موعده، أو خبرًا نقلناه قبل أن نتثبّت منه. ولعلّ أدقّ ما نسأل أنفسنا عنه في تلك الدقائق هو أثر ما فعلناه في صاحبه. فإذا عرفنا موضع التقصير، أمكننا اختيار ما يلائمه من عمل. وقد يفيد أن نحدّد متى سنقوم به، حتى نجد في مراجعة اليوم التالي ما يدلّنا على أنّنا بدأنا التدارك. فقد يكون التدارك في اعتذارٍ صريح، أو وفاءٍ بوعد، أو تصحيحٍ للخبر أمام من سمعوه منّا. وبهذا تمتدّ ثمرة المحاسبة إلى الشخص الذي مسّه تصرّفنا.
بأيّ خطوة نبدأ؟
تضعنا هذه المواقف أمام فرصٍ تتكرّر في حياتنا. فقد يبدأ أحدنا بالإصغاء إلى ملاحظةٍ اعتاد ردّها، ويبدأ آخر بالوفاء بموعد، أو بتشجيع شخصٍ ينتظر أن يُعطى فرصةً، أو بتدارك حقٍّ تأخّر في أدائه. وفي ذكرى السيد محمد رضا الشيرازي، يمكن أن نختار موقفًا واحدًا نعرف أنّه سيعرض لنا غدًا، ونقرّر كيف سنتصرّف فيه. فإذا جاء المساء وراجعنا يومنا، أمكننا أن نسأل أنفسنا أيَّ خُلُقٍ تعلّمناه ووجد طريقه اليوم إلى عملنا.








اضافةتعليق
التعليقات