في إحدى قاعات جامعة بغداد، خلال فعاليات مؤتمر التعليم العالي الثالث، جرى ما لا يحدث إلّا في البلدان التي خانت ذاتها: سُحبت المايكروفونات من أمام البروفيسور سلمان الرواف أستاذ الصحة العامة في إمبيريال كولدج لندن، مدير مركز منظمة الصحة العالمية التعاوني، وعضو أكاديمية أوروبا، وبعد أن سُحب المايكروفونات إثر مغادرة وزير التعليم العالي قال جملة أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي "هذا المؤتمر كلة شو بزنس، عيب والله عيب، إن لم تستحِ فاصنع ماشئت ".
لم تكن حادثةً بروتوكولية عابرة، كانت فضيحةً مكتملة الأركان ومن المعيار الثقيل صُوّرت بالفيديو وتداولتها وسائل الإعلام الدولية والمحلية، وأُهينت فيها جامعةُ بغداد قبل أن يُهان الرواف نفسه، والمفارقة الموجعة أن الرجل جاء بغداد قبل أيامٍ باستقبالٍ رسميٍ من رئيس جامعة بغداد لمناقشة التعاون الأكاديمي مع إمبيريال كولدج: برامج بحثٍ مشتركة، إشراف على الدراسات العليا، أساتذة زائرون، ثم جاء الردُّ بهذا التصرف الوقح.
البروفيسور الرواف ابن كلية طب جامعة بغداد، تخرّج منها ثم ذهب ليُصبح علامةً من علامات الطب في العالم: مستشار منظمة الصحة العالمية، زميل الكلية الملكية للأطباء في لندن، أحد قادة الاستجابة الدولية لجائحة كوفيد-19. رجلٌ كان يمكن لأي جامعةٍ في العالم أن تدفع آلاف الدولارات مقابل ساعةٍ من محاضرته، يُعامَل في بلده بهذه الطريقة، هذه ليست إهانةً لشخص إنما إهانة لفكرة الكفاءة ذاتها، ورسالة صريحة إلى كل عقلٍ عراقيٍ في المهجر: لا تعُد نحن هنا لا نقدر حضورك، ولا عقلك ولا كفاءتك، وصوت المنصب أهم من صوت العقل.
"شو بزنس" تشخيصٌ سريريٌ بلغة الشتيمة المؤدبة
ما قاله الرواف لم يكن جملة انفعال، بل تشخيصاً سريريّاً دقيقاً من خبيرٍ قضى عمره يدرس النظم، مؤتمراتنا العلمية تحوّلت إلى حفلات زفافٍ بدون عروس: جلسة افتتاحٍ بساعتين من الخطابات المكررة، صورٌ تذكاريةٌ تلتهم نصف الوقت، دروعٌ تُوزّع وفق خريطة الولاءات لا خريطة الإنجاز، وتوصياتٌ تُكتب قبل انعقاد المؤتمر وتُنشر بعده دون أن ينفّذها أحد.
الإنفاق على هذه المهرجانات يبتلع مليارات: قاعاتٌ فندقيةٌ فاخرة، تذاكر أسفارٍ، حقائب هدايا تزيد أحياناً على ميزانية مختبرٍ بحثيّ كاملاً، وفي الوقت ذاته، طالب الدراسات العليا يشتري مواد بحثه من جيبه، وراتب التدريسي العراقي لا يُغطّي اشتراك مجلةٍ عالميةٍ واحدة، هذا هو الـ Show Business بعينه: صورة بلا مضمون، ضوضاء بلا معرفة وحين يدخل عالم حقيقي إلى هذا المسرح، يصبح وجودُه إحراجاً، لم يُسكتوه لأنه أخطأ بل لأنه أحرجهم بالحقيقة.
من قمة بيت الحكمة إلى صفر التصنيف
سؤالٌ واحد يكشف الكارثة: كم جامعةً عراقيةً تدخل أفضل مائتي جامعةٍ في العالم؟ الجواب: صفر. صفرٌ في هذه التصنيفات الرئيسية Times Higher Education، و QS، و Shanghai ARWU، والمؤلم أن هذ البلد الذي بنى بيت الحكمة وأسس قاعدة العلماء التي الهمت العالم قبل أن تُولَد أكسفورد وكامبردج بثلاثمائة عام، نحن بلدُ جابر بن حيّان أبي الكيمياء، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، والخوارزمي الذي بغير اسمه ما تحرّك حاسوبٌ في العالم، وقال الرواف إن العراق تراجع ألف عام وهذه ليست مبالغةً، بل روايةٌ حسابيةٌ دقيقة للتاريخ، في القرن التاسع كانت بغداد مركز العالم، والخلفاء يدفعون وزن الكتاب ذهباً للمترجم، أما اليوم نحتاج تأشيرة شينغن لدخول مؤتمر دولي في أوربا.
من سرق العلم من الحرم الجامعي؟
جُعِلت الجامعة غنيمة سياسية منذ 2003، تتسابق الكتل السياسية على حصصها في وزارة التعليم كما تتسابق على حصصها في النفط، رؤساء جامعاتٍ يُعيّنون بالمحاصصة ولم يعد المرشّح يحتاج إلى h-index عالٍ، بل إلى رقم هاتفٍ في البرلمان، مكاتب تبيع الرسائل العلمية جاهزة بأسعار تبدأ من مليوني دينار، مجلّات مفترسة تنشر أي شيء مقابل دولارات، الطالب الأول على دفعته يهاجر، بينما ابن فلان يجد مقعداً دافئاً في هيئةٍ تدريسية تتصدّر صورته فيها الحائط في اليوم التالي، إن الذي سحب المايكروفون من الرواف ليس شخصاً واحداً، الذي سحبه هو نظام كامل من المحاصصة والولاءات والفساد، صنعته أيد سياسية جاهلة وغير أمينة، ونفذته أيدي أكاديمية غير شريفة.
وفي الختام لن تنهض أمة في التاريخ دون أن تضع عالِمها في موضع النجم: ألمانيا بعد الحرب، اليابان بعد هيروشيما، كوريا الجنوبية، سنغافورة انتصرت بعد حروبها بالتعليم والعلماء الذين اتخذوا أماكنهم الصحيحة أما في العراق، نضع الحمير مكان الأمير، والجاهل مكان العالم فباتت دولتنا تُقاد من كوكبة الحمير الجهلة.
والمعالجات لهذه الأزمة العلمية واضحة لكن نعيد توكيدها، نحن نحتاج تحرير رئاسة الجامعات من المحاصصة السياسة أي تكون خارج الكعكة المُقسمة على الحمير، ربط الترقية بالنشر الحقيقي في مجلات Q1 و Q2، محاسبة بائعي الأطروحات، تخصيص 2% من الناتج المحلي للبحث والتطوير وبناء المراكز البحثية، والمؤلم أن العراق ينفق في تطوير البحث العلمي أقل من ثمن عقد استيراد اسمنت ويستنزف الباحث ماديا لنشر ورقة بحثية، استقطاب العقول العراقية في المهجر برواتبٍ تنافسيةٍ ومختبراتٍ حديثةٍ واحترامٍ مؤسسيّ، وأهم ما نحتاجه هو تطهير المؤتمرات من ثقافة الـ Show Business. المؤتمر العلمي مساحةُ نقدٍ ومساءلة، لا مسرحُ تصفيقٍ ومجاملة، من يخشى النقد من عالمٍ بحجم الرواف، فليغادر القاعة، من المؤلم أن الفيديو جال العالم أكاديميون في أوروبا وأميركا سجّلوا طريقة تعامل العراق مع علمائه، من المؤسف أننا خسرنا سمعة دولية تحتاج إلى عقود لتُسترد، مقابل حماية مسؤولٍ من دقيقتين من النقد، وعلى لسان العلم وتاريخ العراق: إلى الله المشتكى.








اضافةتعليق
التعليقات