• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

مشبعٌ بالسببية

هدى المفرجي / الخميس 24 نيسان 2025 / تطوير / 1290
شارك الموضوع :

قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ما مِن شيءٍ إلا وله كيلٌ أو وزنٌ"

بقلبٍ يخضبه الوجد، وروحٍ تتكسر على أعتاب الغبار، وقفتُ في ساحة الإيمان أستشعر غيابًا فاحشًا. الهواء هنا لا يتحرك إلا كخفقان جناح فراشة تحتضر، وكل ذرة فيه تهمس في أذني: "العالَم محاكٌ بخيوط السببية الإلهية".

فتلك الكلمات التي رددتها جدتي كلما وقع حدثٌ جلل: "لله في ذلك الأمر عِلمٌ وسببٌ وإرادة"، كأنها كانت تمسح بيدها على جراحنا، وتُذكرنا بأن الخسارة ليست نهاية، بل مفتاحٌ لفلكٍ لا نعرف كيف يُفتح. وها أنا اليوم أتساءل بفمٍ ممتلئ بالفراغ: هل الغبار الذي تطؤه قدمي غبارٌ عادي، أم هو بقايا نجومٍ انفجرت قبل مليارات السنين؟ وهل يحمل في ذراته سجلًّا كاملًا عن كيف صار الكائن البشري؟ وعن الأسباب الخفية التي جعلتني أقف هنا، كما جعلت النجوم تنفجر هناك؟

السببية: القوة الخارقة التي تميز الإنسان

كل شيءٍ في هذا الكون يحدث لسبب، فدموعي التي تقاوم جفني وتسقط محرقةً وجنتي، ما كانت لتنزل دون سبب: ربما ذكرى طواها النسيان، أو قُربٌ من الله يذيب الحُجب.

فكل فعلٍ ينطوي على حكمة، وهذا هو الفهم السببي الذي يجعلنا بشراً، فهو تلك القوة العظمى التي تمنحنا القدرة على رؤية العالم ليس كسلسلة أحداثٍ عشوائية، بل كنسيجٍ مترابطٍ بخيوط السبب والنتيجة. فنحن الوحيدين الذين نسأل: لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ وهذا ما يؤكد تفرد الإنسان بالعقل، وهذا التفرد له غايةٌ تجعلك تدرك أن الابتلاءات لها حكم، كما قال الإمام الباقر (عليه السلام): «لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر، لتمنى أن يُقرض بالمقاريض».

فالفهم السببي ليس مجرد أداةٍ علمية، بل هو عبادةٌ عقلية تقود إلى الله، فكلما تعمق الإنسان في تحليل الأسباب، اقترب من إدراك حكمة الخالق، وازدادت قدرته على تغيير العالم، ليس بقوته الذاتية، بل بتسخير النعم الإلهية كما أراد الله، في إشارةٍ بآياته إلى: ﴿أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟﴾ ليُذكرنا بأن أعظم قوة خارقة نمتلكها هي "العقل السببي" الذي وهبنا إياه لنسير به نحو الحق.

وهنا ندرك أن السببية هي أساس كل "لأن" وكل "ربما"، وهي حياتنا اليومية، حيث نعيش السببية دون أن ننتبه إليها. نسمع صوتًا فنلتفت بحثًا عن مصدره، نرى السحب السوداء فنحمل المظلة، نلمس النار فنعرف أن الألم سَيلي اللمسة. هذه العلاقات السببية ليست مجرد أفكار، بل هي جزءٌ من إدراكنا للواقع نفسه. فالعالَم بالنسبة لنا ليس مجموعة أحداثٍ منفصلة، بل آلةٌ معقدةٌ تتحرك بتدبير. لكن، هل هذا الفهم بديهي؟

بالطبع لا، فمعظم الكائنات الحية لا ترى العالم كما نراه. فالحيوانات تتفاعل مع الأسباب المباشرة، لكنها لا تتساءل عن "لماذا" الأشياء، ولا تبحث عن الحكمة الكامنة وراءها، بينما نحن وحدنا من نغوص في هذا العمق، ونحن وحدنا من نستطيع تحويل السببية إلى قوة نُغير بها العالم. لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا عن الأسباب التي لا نستطيع فهمها؟ ماذا عن الألم الذي يبدو عبثيًا؟ أو الفراق الذي يظهر بلا معنى؟

هنا تتدخل الحكمة الإلهية لتذكرنا بأن الأسباب قد تخفى علينا، لكنها لا تنعدم، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ما مِن شيءٍ إلا وله كيلٌ أو وزنٌ"، حتى الدمع الذي يسقط بلا قصد، له حكمةٌ لا ندركها. والإمام علي (عليه السلام) يذكرنا: "ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب". فكل شيءٍ مرتبطٌ بسلسلةٍ من الأسباب، لكن أعلى درجات الإيمان هي أن نرى الأسباب، ثم نتجاوزها إلى "المُسبّب".

وفي النهاية، ماذا تعتقد؟ هل نحن من نبحث عن الأسباب، أم الأسباب هي التي تجذبنا؟

ببساطة، هو كمثل سؤالٍ نُجيبه بسؤالٍ آخر: هل أنا من اختار أن أقف في ساحة الإيمان، أم أن السببية الإلهية هي التي جذبتني إليها، بينما كل ذرةٍ حولي تُناجيني بأنني لست عابرًا في هذا الكون، بل خيطٌ في نسيجه المحكم؟ خطواتي، كلماتي، صمتي، وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، كلها مشبعةٌ بالسببية.

وربما تكون قراءتك لهذه الكلمات يومًا ما سببًا لتحولٍ فيك، كما كانت كتابتي لها تحوّلًا فيّ. وهكذا، وأنا أغادر صفحتي التي ملأتها بالتساؤلات، ألتفتُ ورائي لأرى الغبار الذي مشيتُ عليه يلمع تحت ضوء الشمس كذرات ذهب. فربما هو غبار نجومٍ ميتة، أو ربما مجرد تراب الأرض العادي، لكني أعلم الآن أن الفرق بينهما ليس في ماهيته، بل في القصة التي يحملها، والأسباب التي جعلته هنا، في طريقي، في هذه اللحظة بالذات.

وسأتلقى الإجابة بشكلٍ من الأشكال، فالكون لا يصمت أبدًا، إنه يهمس بأسبابٍ خفيةٍ في كل خطوة، في كل دمعٍ يسقط، في كل فرحٍ يلمع فجأة، ويشير إلى أن السؤال ليس: "لماذا أنا هنا؟"، بل: "ما الذي سأفعله بهذا هنا؟"، لأن الأسباب قد تكون قَدَرًا، لكن ردود أفعالنا هي اختيار.

والإيمان الحقيقي ليس أن تعرف كل الأجوبة، بل أن تسير بثقة حتى في الظلام، لأنك تعلم أن كل ظلمة لها فجرها، وكل سؤالٍ له حكمة، وكل غبارٍ قد يكون في الحقيقة نجمًا ينتظر أن يُولد من جديد.

فهل نغادر الساحة اليوم وقد فهمنا كل شيء؟

بالطبع لا. لكننا نغادر بقلوبٍ أكثر اطمئنانًا، لأننا لو نظرنا جيدًا، لرأينا أن كل خيطٍ في نسيج الوجود ممسوكٌ بيدٍ لا تخطئ ولا تظلم. تُمسكُ بنا حين نسقط في الظلام، كما تُقلب الغيمَ في السماء، وتُنزِل المطرَ قطرةً قطرةً على الأرض العطشى، وتنسجُ لي حلمي قبل أن أنام، وتُعدّل أنفاسي وأنا أجهلُ كيف أتنفس، هي سترتب لي يومي وأمسي وغدي بحبكةٍ لو فكرت كيف أحيكها، لما استطعت. فهو تذكيرٌ من الخالق البارئ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، تذكيرٌ بأن الأسباب لا تعمل بمعزلٍ عن الإرادة الإلهية.

الوعي
الايمان
التفكير
الكون
الانسان
العلم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    الوضع السياسي والاجتماعي للأمة في عصر الامام زين العابدين

    النشر : الأثنين 21 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    تحمل ضريبة القلة

    النشر : الأربعاء 22 آذار 2023
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    النشر : الخميس 02 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    نساء في متاهات الأربعين

    النشر : الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 28 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 7 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 7 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 7 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 7 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة