• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أرجوحة الرجاء

دنيا عبد الكريم / الأحد 21 حزيران 2020 / تطوير / 3817
شارك الموضوع :

ارتسمت على وجهه كل تفاصيل الشيخوخة وأحداثها ووقرها وكأنها رواية عظيمة اكتملت كل فصولها

كان جالسا على كرسيه المعتاد في إحدى الحدائق العامة, وحوله الأشجار شامخة  لكنها مصفرة الأوراق, مرتديا معطفه الأسود وقبعته الأنيقة, وغزا الشيب رأسه ولحيته وما زاده إلا جمالا وهيبة, وارتسمت على وجهه كل تفاصيل الشيخوخة وأحداثها ووقرها وكأنها رواية عظيمة اكتملت كل فصولها. ولم يكسر الحزن مسحة الأمل في عينيه.

 كان منهمكا بقراءة كتاب وجده في مكتبته وكان قد جذبه عنوانه فهو كتاب (الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران.

حتى استوقفته إحدى النصوص وطال انتظاره في هذا النص والذي كان:

(إن دمعة واحدة واحده تتلمع على وجنة شيخ متجعدة فهي أشد تأثيرا في النفس من كل ما ترهقه أجفان الفتيان.

إن دموع الشباب هي ما يفيض من جوانب القلوب المترعة, أما دموع الشيوخ هي من فضلات العمر تنسكب من الأحداق, هي بقية الحياة في الأجساد الواهنة.

الدموع في أجفان الشبيبة كقطرات الندى على أوراق الوردة, أما الدموع في وجنة

الشيخوخة فأشبه بأوراق الخريف المصفرة التي تنثرها الرياح وتذريها عندما يقترب شتاء الحياة).

هذا النص أيقظ فيه شعور الطفل الصغير الذي أربكه الزحام عندما أفلت يد أمه لأول مرة, آلم قلبه ولمس موطن الوجع فيه, فسبقته دموعه للتعبير عن الإحساس بذلك الوجع وتساقطت على الصفحة واختلطت مع حروفها وكأنها تريد أن تطفئ ذلك اللهيب الذي أوجدته تلك الكلمات.

نعم فذلك النص يصف حاله بالضبط , حياته وكل أحداثها وذلك الوجع الخفي, فنظر لأوراق الخريف التي تتناثر حوله وتلك الورقة التي تسقط بهدوء, فمد يده لتستقر فيها فابتسم محدثا إياها: كم أننا نشبه بعضنا يا حبيبتي!.

وتركها لتعلن نهايتها بصمت مع الأخريات..

كان وحيدا فمنذ استشهاد ولده وهو لا يجد سبيل ليومه الطويل المليء بالذكريات, سوى كرسيه هذا, محدقا في تلك الكتب التي لا يمل من شرائها وقراءتها بنهم, فهي الشيء المتبقي له من نشاط شبابه, فحبه للقراءة يذكره بذلك الصبي الذي لطالما قرأ وكتب واستمتع بموسيقى الحروف طوال حياته, فالقراءة حبه الأعظم حتى أنه أهدى هذا الشغف لولده  الشهيد.. وتلك الذكرى كانت الأقرب لقلبه, وإن كانت ندية بالدموع  دائما, فلعن الله الحروب أينما حلت هدمت وهدمت الكثير..

تعبت عيناه فرفع نظارتيه عن عينه فأصبح كل ما حوله غير واضح واختلطت  ملامح المكان ببعضها.

فمرر بحركة عطوفة من تلك اليدين اللاتي باتت ترتجف حتى من حمل الكتاب  على تلك العينين المرهقتين مواسيا إياها على ذلك المنظر أن لا عليك فتلك النظارة الجميلة ستعيد ترتيب الأشياء والألوان مرة أخرى.

وشرع يكتب مقاله الجديد والذي يحمل عنوان: (أرجوحة الرجاء)

(أن تفقد أحدا يعني أن تنطفئ إحدى الألوان في عينيك وإحدى الأنوار في قلبك,

فيمسي مكان ذلك اللون وذلك النور فارغا ينقصه الكثير.

لكن هنا وفي هذه الأحوال يأتي دور ما غذيت به نفسك وما ربيت عليه روحك, ما ألهمت به ذاتك وكيانك من أفكار, ما درست وتعلمت, ما همست به لنفسك حينما تسقط ضعيفا. فإما أن يمتلئ ذلك الفراغ أملا أو يمتلئ يأسا.

إما أن تستمر محاولا تلوين كل ما بهت أمامك لتعطي لروحك رونقا جديدا, أو يكبر ذلك الفراغ ويلتهم كل ما بقي من ربيع بداخلك.

وكأن لحظات الحياة هذه تضعك أمام مفترق طرق, وتضعك أمام نفسك تماما. وعليك الاختيار.

إما أن ترمم ذلك الفراغ الذي بداخلك معلقا روحك بأحلامها وأمانيها بأرجوحة الرجاء تاركها تتقاسم مع الطيور روعة أن يكون لها جناحين لتتسابق معها على من يحظى بحضن النسيم وقبلة السحاب أولا. أو أن يتهدم ذلك الكون العظيم بداخلك.

أن ترمم الفراغ وتعيد ترتيب الألوان الباهتة يعني أن تجرب الفرح في كل مرة, محاولا عيشه بكل التفاصيل وأبسطها, مثلا جرب أن تستشعر الفرح كطفلة صغيرة ترتدي فستانا جديدا لأول مرة.

أن تجرب الفرح, جرب أن تنظر بعيني من تعلق بأمنية عمرها سنوات ورآها ماثلة أمامه فجأة وبدون أي مقدمات. فهبات الله كثيرة وأجملها تلك التي لا نخطط لها.

أن تجرب الفرح كزهرة أقحوان صغيرة نجحت وبعد عناء أن تحرر جناحيها من بين صخرتين غلاظ كادتا أن تنسينها أنها زهرة وأن لشذاها جناح لابد أن يتحرر.

فبالأمل نحيا, هكذا هي حياتنا يولد أحد ويموت آخر, تدفن أمنية ليولد أمل, ينحني حلم لينهض طموح هذه هي الحياة..

فما بين الفرح والحزن وما بين الفقد واللقاء نتأرجح, فتارة تأخذنا كفة الاطمئنان فننام كطفل صغير أودع جسده في حضن أمه وترك كل شيء لأنه يعلم أنه لا يوجد ملاذ  في الكون أكثر دفئا وأمنا مما هو فيه.

وتارة أخرى يأخذنا الحزن فيؤلمنا ويوجعنا بفقد أو خيبة أو ضياع فنمسي كحمامة أسيرة ضاق بها عشها فوق إحدى القبب وتشتهي سماء واسعة تحتضن جناحيها.

هكذا نحن فما نغذي به أرواحنا هو ترتيلة الاطمئنان التي تعود إلينا في أصعب أيامنا وأكثرها وجعا.

هكذا نحن مع الحياة هي معلمتنا ونحن أمله).

وانتهى من مقاله وبقي صامتا برهة, كانت كلماته عزاء لنفسه بولده الشاب, عزاء له بربيعه المقتول.

رفع نظره ومازالت أوراقه وقلمه بيده وإذا بالأفق تزين بلونه الأحمر, والشمس تتربع كملكة فيه, فهبت رياح خفيفة بعثرت ما في يديه من أوراق وسقط قلمه من يده جراء الجلبة التي سببتها تبعثر الأوراق. فنهض بجسده النحيل وبحركة منظمة جمع أوراقه وانتشل قلمه من الأرض, كان مبتسما وكأنه راضٍ عن كل أحداث السنوات التي عاشها وممتن لما غذى به روحه, فلم يجزع لفقد أو وجع, بل بقي متمسكا بالله..

لف تلك الأوراق ليضعها بداخل كتابه متأهبا للمغادرة، فوضع قلمه في جيب معطفه ليتحسس صورة ولده الشهيد التي كان تسكن في الجانب الأيسر دائما هناك حيث يقطن قلب أبيه لتحيا بنبضات قلبه..

غادر مكانه ومثل كل يوم, عندما بدأت أصوات المآذن والمساجد تختلط بالهواء وكأن بصوتها عبقا خاصا وحنينا لشيء ليس ببعيد، إنه صوت ضحكات ولده الشهيد.

 فابتسم لسماعها فلطالما كان يحب أجواء المغرب هذه ومضى في طريقه تاركا أوراق الخريف تتطاير خلفه وكان بعضها قد أحزنها رحيله وبعضها الآخر وكأنها  تقول له: نلتقيك غدا لحديث جديد..

الحياة
الانسان
قصة
الايجابية
الحزن
الأمل
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    باب من الجنة

    باب من الجنة

    الأحد 19 تشرين الاول 2025/
    تيه أم واقع حال؟

    تيه أم واقع حال؟

    الخميس 01 حزيران 2023/
    أليسَ اللهُ بكافٍ عبده

    أليسَ اللهُ بكافٍ عبده

    الثلاثاء 09 آيار 2023/
    ماهي إلا كلمة!

    ماهي إلا كلمة!

    الأربعاء 28 تموز 2021/
    للحلمِ بقية

    للحلمِ بقية

    السبت 12 كانون الأول 2020/
    إصنع حدثاً جميلاً كلَ يوم

    إصنع حدثاً جميلاً كلَ يوم

    الخميس 21 آيار 2020/

    آخر الاضافات

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت

    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟

    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين

    الأربعين موسم للتغيير وبناء الإنسان

    زيارة الأربعين: من استذكار الشهادة إلى تجديد العهد

    الغرض الحقيقي من إدارة الوقت

    تراجع جودة الهواء.. كيف يؤثر التلوث على صحة الإنسان ومتى يصبح الخروج إلى الخارج خطراً؟

    آخر القراءات

    ماهو واجبنا تجاه القضية الحسينية.. وما هي مسؤوليتنا في الوقت الحاضر؟

    النشر : الخميس 04 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    الوحدة الزوجية وتدخل الأهل السلبي

    النشر : الثلاثاء 27 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    المهدي المنتظر وأسرار الغيبة..

    النشر : السبت 10 كانون الأول 2016
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    في ذمة الذاكرة

    النشر : الأثنين 11 كانون الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    ما هو فرط الدرقية المترافق مع نقص اليود وسبات الوذمة المخاطية؟

    النشر : السبت 20 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    النشر : الثلاثاء 28 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 457 مشاهدات

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 341 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 322 مشاهدات

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    • 306 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 306 مشاهدات

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    • 302 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1131 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1077 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 922 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 870 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 793 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 640 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني
    • منذ 21 ساعة
    زيارة الأربعين... ومكانتها في روايات أهل البيت
    • منذ 21 ساعة
    في الطريق الذي لا يسأل أحدًا: من أنت؟
    • منذ 21 ساعة
    ما بعد كربلاء: التحول النفسي والأخلاقي لزيارة الأربعين
    • منذ 21 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة